أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

90

نثر الدر في المحاضرات

حكى عنه أحمد بن يزيد المهلّبي ، قال : قال يوما : يا مهلبي ؛ إنّ الخلفاء كانت تتصعب على الرعيّة لتطيعها ، وأنا ألين لهم ليحبّوني ويطيعوني . قيل : أقبل المتوكل يوما ؛ فقام الناس من بعيد ، ولم يقم المنتصر حتى قرب منه ؛ ففكر المتوكل وتمثّل « 1 » : [ الطويل ] هم سمّنوا كلبا ليأكل بعضهم * ولو أخذوا بالحزم لم يسمن الكلب وقال أحمد بن يزيد : حضرت المتوكّل يوما وعبيد اللّه بن يحيى يقول له : قد قدمت رسل الطاغية بكتابه ، وهو يعظّم أمير المؤمنين ، ويسمّيه - إذا ذكره - السيّد ، وسأل وضع الحرب أربع سنين ، وأهدى بقيمة خمسمائة ألف درهم ؛ فبأي شيء تجيبه ؟ قال : أجبه بأنّ رسولهم نهاهم عن الحرب ، وأن رسولنا أمرنا بالحرب ، ولا سبيل إلى وضعها إلا بإعطاء الجزية ، فإن أحبّ أن أخفّفها عنهم فعلت . وأعلمه بأنّي أرقّ عليه ؛ لأنه بلغني أنه في سنّ محمد - يعني المنتصر - وأضعف له الهديّة ، وأكثر له مما يستطرف في بلاده . كان يقول : إني لأكون غضبانا على إنسان ، فيبلغني أنّ الفتح راض عنه فأرضى ، وكذلك إن كنت راضيا فبلغني أنه غضبان غضبت . وقال أحمد بن يزيد ، قال لي المتوكل يوما : يا أحمد ؛ ثيابك في رزمة لا في تخت ، قلت : كذاك هي . قال : لا تفعل ؛ فإنها في التخت أبقى وأنقى ، بان ذلك لي في تكسيرها . قال إبراهيم بن المدبّر ، قال المتوكل : إذا خرج توقيعي إليك بما فيه مصلحة للناس ، ورفق بالرعية فأنفذه ، ولا تراجعني فيه ، وإذا خرج بما فيه حيف على الرعية فراجعني ؛ فإنّ قلبي بيد اللّه عزّ وجلّ . بلغ المتوكل أنّ أحمد بن حمدون النّديم يحمل رقاع الفتح إلى خادمه فائز ؛ فأعدّ له حجّاما ، وأوصاه بما يريد ؛ فلما جلس أحمد مع الجلساء قال : يا أحمد ؛ ما جزاء من أفسد غلام فتى ؟ قال : تقطع أذنه ؛ فدعا بالحجام فقطع من

--> ( 1 ) البيت لمالك بن أسماء في ثمار القلوب ص 315 ، وكتاب الحيوان 1 / 191 .